محمد أبو زهرة
2149
زهرة التفاسير
غيلة ، وقتل الغيلة أقبح من قتل المجاهرة ، ولذلك دخل العفو في فعل المجاهرة ، ولم يدخل في قتل الغيلة » . وإن الذي نميل إليه هو مذهب مالك بلا ريب ، لأن معنى المحاربة ، وهو إزعاج الآمنين ثابت في الاختفاء ، بل هو أمكن ، كما هو ثابت في المجاهرة ، بل أشد وأحكم . رابعا - بالنسبة لجرائم المحاربة أهي مقصورة على الاعتداء على الأموال والأنفس ؟ قال جمهور الفقهاء ذلك ، وقال مالك رضي الله عنه ، كل اتفاق على ارتكاب المعاصي يعد من قبيل الحرابة ، فالاتفاق على الزنى أو فتح بيوت له يعد من الحرابة ، ويستحق عقابها ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقبل أن نترك الكلام في الجريمة لا بد من الإشارة إلى أمرين : أولهما - أنه لا بد في اعتبار هذا الفعل جريمة أن يكون القائمون به مكلفين تكليفا شرعيا بأن يكونوا بالغين عقلاء ، لأن الفعل لا يوصف بأنه جريمة أو معصية إلا إذا كان الفاعل مكلفا تكليفا شرعيا ، فإذا قام بالعمل صغار لا يعدون قطاع طريق ، وإذا كانوا مميزين ، فإنهم يؤدبون ، أو يعزرون على أن يكون تعزيرهم تأديبا ، ولا يكون عقابا على ما هو مقرر في باب التعزير ، وإذا كانوا مجانين ، فإنهم يحجزون في المصاح أو نحوها ، ولا يعزرون ، لأن عقابهم يكون تعذيبا ، إذ لا تبعة يتحملونها ، ولا يصلحون للتأديب لفقد عقولهم . ثانيهما - أيعدون محاربين ، ولو لم يرتكبوا جريمة من جرائم قطع الطريق ، فلم يسرقوا ، ولم يقتلوا ، ولكن اتخذوا مكانا قصيا لكي يرتكبوا الجرائم متفقين على الفعل ، وقصدوا الفعل ، ولم يفعلوا ، إما لأنهم لما يبدءوا ، وإما لأن الأحوال لم تواتهم . وبذلك يكون مجرد الاتفاق والأهبة للتنفيذ يعد جريمة في ذاته ؟ الظاهر من أقوال الفقهاء ذلك ، وسيتبين ، وبذلك يكون الاتفاق الجنائي في الشريعة له مكانه من العقاب .